عبد الملك الجويني
153
نهاية المطلب في دراية المذهب
فإن قلنا : لا يبلغون المأمن على أحد القولين ، فنقتلهم مقبلين ومدبرين ، ونذفِّف على جرحاهم ، فإنه يُفعل ذلك بهم بعد انقضاء القتال . وإن قلنا : نبلغهم مأمنهم ، فهل نقتلهم منهزمين ؟ اختلف أصحابنا في المسألة ؛ فمنهم من قال : لا نقتلهم منهزمين ، كما لو انقضى القتال ، والتفريع على أنا لا نغتالهم ، ومن انهزم ، فقد ترك القتال ، ومن أصحابنا من قال : نقتلهم منهزمين ، ونذفّف ؛ فإن هذا من بقايا القتال ، وكأنه عقوبة لهم في مقاتلتهم ، وقد ذكرنا أن العقوبات تقام عليهم ، وما أتلفوه في القتال - والتفريع على أنهم يبلغون المأمن - فهل يضمنونه ؟ الظاهر عندنا أنهم يضمنونه ؛ فإنهم في بقية من الأمان ؛ ولهذا نبلغهم مأمنهم ؛ ويستحيل أن نلتزم أمانهم ، ولا نلزمهم ما يتلفون ، فيخرج من ذلك أنهم ما صاروا أهل حرب على الإطلاق ، وقد نرى في بعض المجموعات أنا إذا حكمنا بانتقاض عهدهم لا يضمنون ما يتلفون ، وهذا لا يعد من المذهب ، ويحمل على هفوة صادرة عن قلة الفكر . وإن قلنا : إن عهود أهل الذمة لا تنتقض في صورة الجهل ، فهم على ذمتهم إذا انقضى القتال ، والكلام في أنهم هل يلتزمون ما يتلفون في حالة القتال ؟ قال الأئمة رضي الله عنهم : يلزمهم ضمان ما يتلفونه حالة القتال ولا يخرج فيهم القولان المذكوران في أهل البغي ، فإنا حططنا الغرم عنهم في قولٍ ؛ استعطافاً لقلوبهم ؛ وقَطْعاً للتبعات الثقيلة التي تمنع من الرجوع إلى الطاعة ، وهذا المعنى لا يتحقق فيهم ، وبالجملة ليسوا من المؤمنين ، والله أمرنا بالإصلاح بين المؤمنين ، ولم يذكر تَباعةً بدمٍ ولا مال ، فيختص هذا التخفيف بهم ، ولكنا لا نقتلهم مدبرين ؛ فإنا نفرّع على أن ذمتهم باقية ، والذمة حاقنة للدم ، فسبيلهم في القتل كسبيل أهل البغي لا نتبع مدبرهم ولا نذفف على جريحهم ، ولكنا نضمّنهم ما يتلفون . ثم إن أوجبنا القصاص على أهل البغي ، ففي إيجابه على أهل الذمة - والتفريع على أن ذمتهم غير منتقضة - وجهان : أحدهما - [ أنا نوجب القصاص عليهم ، كما قطعنا بإيجاب الغرم فيما أتلفوه . والثاني - أنه لا يجب القصاص عليهم لمكان الشبهة المقترنة بأحوالهم .